ابن عربي

51

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

« فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ » يعني العلماء باللّه من الملائكة « يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ » وهم أعلم باللّه منكم ، فلو كان ما اتخذتموه من هؤلاء آلهة لكانت الملائكة أولى بالسجود لهن منكم ، لعلمكم أنهم أعلم ، فهم يسجدون للّه « وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ » لا يملون من غير سآمة ولا فتور ، فإن حقيقة نشأتهم تعطي ذلك ، وهي العبادة الذاتية ، وهي عبادة سارية في كل ما سوى اللّه ، وقد خلق اللّه الملائكة وهم عمار السماوات والأرض لعبادته ، فما في السماء والأرض موضع إلا وفيه ملك ، ولا يزال الحق يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين ، فالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون في غير ليل ولا نهار وهم لا يسأمون ، فكفى بالبشرية نقصا - وفي موضع هذه السجدة خلاف ، فقيل عند قوله : « إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » وقيل عند قوله : « لا يَسْأَمُونَ » فمن سجدها عند « إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » جعلها سجدة شرط ، ومن سجدها عند قوله « لا يَسْأَمُونَ » جعلها سجدة نشاط ومحبة ، وهي سجدة الاجتهاد وبذل المجهود فيما ينبغي لجلال اللّه من التعظيم ، والالتذاذ به . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 ) هذا وعيد ، أي قوله تعالى « اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ » . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 41 إلى 42 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) « تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وانظر ما أحكم القرآن وما فيه من العلوم لمن رزق الفهم فيه ، فإنه الوحي المعصوم المقطوع بصدقه ،